قائمة المدونات الإلكترونية

النرجسية، كمرض ذهني، هي حب الذات الجنوني الذي يجعل الأنا تحتقر الأنوات الأخري ؛ استلهمها علم نفس الأعماق من الأساطير الإغريقية التي تعبر عن رغبات وتخييلات لا شعور البشرية الجمعي. فماذا تقول الأسطورة النرجسية ؟ إن نارسيس [نرجس] كان فتى جميلاً افتتن به الفتيات والفتيان دون أن يبالي بحبهم. إحدى الفتيات التي احتقرها دعت عليه فاستجابت الإلهه نمسيس لدعوتها فقضت عليه بالنظر إلى صورته المنعكسة في غدير. كلما نظر إلي صورته ازداد حباً لنفسه. تمكن منه هذا الهوى العقيم فقضي أياماً منكباً على الغدير إلى أن تلاشى ومات. حولته الألهة إلى زهرة : النرجس. الانطواء النرجسي على الذات واللا اهتمام بالعالم الخارجي مع إفراط في تقدير صورة الذات الجليلة ( هو في الواقع تعويض لصورة الذات المستبطنة سلباً) هو عرض الإصابة النرجسية. تجليات النرجسية الدينية الإسلامية عديدة منها حظر زواج المسلمة بغير المسلم ”غير المكافئ لها“. أما لا شعورياً فيعبر عن الرغبة في نكاح المحارم عبر الزواج من داخل العشيرة Ondogène المعروف بين بعض القبائل البدائية التي تحرم الزواج من خارج القبيلة Exogène ؛ كما تجلي في تقديس اللغة العربية التي تماهت بالقرآن وهو ما أعاق تطوير رسمها ونحوها وإثراء معجمها بالمصطلحات الغربية علي غرار العبرية التي عبرنت 90 % من مصطلحاتها. العرب، كما لاحظ مالك بن نبي، فتنتهم لغتهم الجميلة فحولوها إلى وثن يعبدونه. الإعلام والتعليم الديني خاصة يعيدان الإنتاج الموسع لهذه النرجسية. الإعلام بما هو مدرسة بلا جدران يدخل التعصب والهذيان النرجسي إلى كل مكان، كما ينتج التعليم الديني بالتسلسل أجيالاً من المهووسين بنقاء الهوية الدينية مثل هوس النازيين بنقاء الهوية العرقية، كما استولي على النازيين رهاب تمازج القوميات والثقافات بالأمس أصيب اليوم دعاة النرجسية الدينية برهاب تلاقح الإسلام مع الديانات والثقافات الأخرى. النرجسية الدينية تخضع لنفس منطق النرجسية القومية : تحويل التفاوت التاريخي بين الثقافات والقوميات إلى تفاوت طبيعي، جوهراني وأخيراً حتمية سحق العرق الآري ”الأعلى“ لجميع الأعراق ”الدنيا“ في النازية وحتمية انتصار الإسلام ”الدين الوحيد الحق“ على جميع الديانات ”الباطلة“ في النرجسية الدينية. هذه النرجسية الدينية الهاذية أنتجتها ظروف تاريخية : حروب النبي مع اليهود، الحروب الصليبية، الحروب ضد المغول، الإستعمار الأوربي وقيام الدولة اليهودية. هذان الحدثان الأخيران أحدثا زلزالاً في النفسية العربية الإسلامية فردت عليهما بردين عقيمين : الإنطواء على الذات النرجسية الجريحة وجنون المطالبة بأخذ الثأر. الرد الأول مثلة الإسلام الطرقي الذي فر من المواجهة والثاني مثله الإسلام الجهادي المهووس بأخذ الثأر من ”اليهود والصليبيين“ لإزالة الجرح مهما كان الثمن ولو كان ”علي وعلى أعدائي يارب“ ! الممثل النموذجي لهذا الإسلام الجهادي والإستشهادي هو ”القاعدة“ في العالم، وحماس في فلسطين و”الدولية الإسلامية“ التي تتعاطف سراً مع الأولى وتدعم علانية الثانية.ومع ذلك لا يملك أي من هذين التنظيمين هدفاً استراتيجياً قابلاً للتحقيق. هدف القاعدة، كما عرفه الظواهري في كتابه ”فرسان تحت راية النبي“ هو نشر عقيدة ”الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين ومعبوداتهم“ أي القطيعة الراديكالية مع الغرب والإنسحاب من الأمم المتحدة واعادة الخلافة الإسلامية. هدف حماس لا يقل عبثية عن هدف القاعدة : ”تحرير فلسطين حتى آخر ذرة تراب وإعادتها وقفاً على جميع المسلمين في العالم“. الدافع الحقيقي الكامن وراء هذين الهدفين الهاذيين هو الثأر والتكاثر. سأل الكاتب المصري، السيد ياسين، مضيفيه اليابانيين عن موقف الدين من سياستهم فكان الرد : ”وما دخل الدين في ذلك ؟“. علمانية كل من اليابان وألمانيا حالتا دون الردود الهاذية عن جرحهما التاريخى. هما قلدتا الغرب واندمجا في حضارته ونحن خالفناه وصارعناه وانغلقنا على قيمه كحلزونه مفزوعة. ما العمل لتحرير الشعور واللا شعور الإسلاميين من ”وجوب مخالفة الكفار“ و”غزوهم الفكري“ ؟ تدريس حقوق الإنسان والفلسفة في جميع مستويات وفروع التعليم الأدبي، العلمي، المهني والديني، كما هو الحال في تونس، لفتح الوعي الإسلامي للقيم الكونية والفكر النقدي الذي يعلمه رد الفعل الصحي بوضع نفسه موضع تساءل. وهكذا يغدو قادراً على تخريج أجيال لا تبدأ خطابها بفرضيات غبية ولا تنهيه بأحكام قطعية.