موضوع في منتهى الاهمية للاصدقاء المصريين
....................................................
في غضون أسابيع قليلة تقبل مصر على سادس عملية انتخابيه تجريها خلال عامين و نصف في أجواء اقل ما يمكن توصيفها بأنها أجواء عاصفة ،و وسط تقاطعات صراعات سياسية حادة تشعبت حتى ضربت أنصار جبهة 30 يونيو ذاتهم .
و تبدو حدة الاجواء السياسية في تصريحات قادة أحزاب مهمة في مصر و التي تعكس مدي تشدد الخطاب السياسي لاطراف المنافسة السياسية في ما يتعلق بالنظام الانتخابي الذي ستجري في ظله الانتخابات البرلمانية المنتظرة .
"يجب أن يعلم رئيس الجمهورية وطاقم مساعديه وقيادة الجيش والوزارة أن مسيرة الديمقراطية سوف تتوقف، وسوف تقوم ثورة جديدة لا محالة، تعم فيها الفوضى لو أجريت الانتخابات بالمقاعد الفردية فقط "
هكذا حدد د. محمد ابو الغار رئيس الحزب المصري الديمقراطي موقفه من الانتخابات في تصريحات نارية لكنها لم تعكس رفضا لقبول الحلول الوسط . (1)
أولا: النظام الانتخابي بين الفردي والقائمة:
يبدو المشهد السياسي الانتخابي المصري غامضا جراء تغيرات و تبدلات يومية و احيانا خلال ساعات في مواقف الاحزاب و الكتل السياسية من طبيعة النظام الانتخابي المطلوب ، و ذلك على خلفية تجارب سابقة مثيرة للمخاوف على المستقبل، تسببت فيها الانتخابات الفردية في إقصاء الاحزاب السياسية الي المراكز الاخير في السباق الانتخابي .
تجارب الاحزاب المدنية مع الانتخابات الفردية سلبية، فمن بين 166 مقعدا في برلمان 2011 فاز التحالف الديمقراطى الذي قادته جماعة الاخوان ب 101 مقعدا ، و حزب النور السلفي ب 30 مقعدا ، في حين فازت الاحزاب المدنية ب 8 مقاعد ، و المستقلين – اغلبهم محسوب على رموز عصر مبارك – ب 27 مقعدا . ( 2)
و لعل ذلك ما يفسر اصرار اغلب الاحزاب على اجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية، لتمتلك فرصة في الفوز بعدد وفير من مقاعد البرلمان يتيح لها ان تسد من خلاله الفراغ السياسي الناجم عن غياب او تراجع نفوذ جماعتي الاخوان و السلفيين في اعقاب ثورة 30 يونيو ضد الجماعة، ولكن يبدو أن الأحزاب السياسية المصرية الحالية، تواجه مشكلة حقيقية في القدرة على سد الفراغ السياسي الناجم عن ثورتي الشعب المصري خلال العامين المنصرمين .
ففي عام 2011 و بعد حل الحزب الوطنى الديمقراطي الحاكم في عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك بحكم قضائي صدر بعد ثورة يناير فشلت الاحزاب السياسية في سد الفراغ الناجم عن الغياب المفاجيء لحزب تواصل في الحكم لما يزيد عن 32 عاما، و هو الفراغ الذي اكتسحته جماعة الاخوان في كل الانتخابات لتي جرت بعد الثورة و استحوذت في الانتخابات البرلمانية الاخيرة علي نحو 45 % من مقاعد البرلمان 2011 ، فضلا عن استحواذ التيار السلفي علي 26% من المقاعد . ( 3 )
التحدي الحقيقي الآن للاحزاب المصرية هو في قدرتها على سد الفراغ الناجم عن التراجع الحاد في نفوذ جماعة الاخوان بعد الثورة الشعبية على حكم الجماعة ، و هو تحدي ينقسم لمستويين رئيسين:
أولهما: يتعلق بجذب الناخبين للمشاركة في العملية التصويتية .
ثانيهما: قدرة الاستحواذ على اصوات الناخبين بدلا من انتقالها للاحزاب ذات التعبيرات السلفية .
من اللافت في المشهد المصري وجود 78 حزبا سياسيا ، منهم 24 حزبا تأسست قبل ثورة 25 يناير، و الباقي تم الاعلان عنه و تأسيسه عقب ذلك التاريخ، و يمثل عدد الاحزاب في حد ذاته تحديا لقادته ، إذ أن الكتلة المسماة بالاسلامية و عددها(10 ) أحزاب تمكنت من الاستحواذ على نحو 70 % من اخر انتخابات برلمانية شهدتها البلاد عام 2011 ( 4 )، و هو ما يشير في احد جوانبه لمدي ضعف القدرات الحزبية السياسية على إجتذاب أصوات الناخبين .
لذلك تراهن الاحزاب المدنية علي المتغيرات الناجمة عن خروج عشرات الملايين من المصريين في ثورة شعبية غير مسبوقة في تاريخ البلاد ضد حكم الاخوان، و ما لذلك من تأثيرات سلبية على بقية القوي المسماة بالاسلامية و نفوذها الشعبي ، و هو الرهان الذي يفسر اسباب الضغوط الشديدة لاجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية.
و وفقا لدراسة اعدها حزب الدستور فإن أن "أحد أهم أسباب ثورتي يناير ويونيو هو عجز النظام الانتخابي عن إفراز برلمان وحكومة تعبر عن المصريين بصورة حقيقية ، وتمثل مختلف الاتجاهات السياسية، حيث تؤدي الانتخابات بنظام الفردي، إلي إهدار معظم أصوات الناخبين، وتضييع إرادة الشعب وابتعاد البرلمان عن تمثيل التركيبة الحقيقية للشعب المصرى، بما يؤدي لتهميش سياسي لأغلبية المجتمع، وهو ما يهدد بزعزعة الاستقرار ".
و تواصل نصوص الدراسة أن " حصول أعلي المرشحين من الحزب "أ" علي 16% من أصوات الناخبين وحصل الذي يليه من الحزب "ب" علي 14% تكون الإعادة بينهما. وتهدر 70% من أصوات الناخبين.وإذا تكرر هذا في دوائر أخري بين مرشحي هذين الحزبين، يمكن أن يحصل الحزبان علي معظم مقاعد البرلمان، رغم أن شعبيتهما مجتمعين قد لا تتعدي 30%"( 5)، لكن هذا الانحياز من اغلب الاحزاب السياسية لرفض إجراء الانتخابات بالنظام الفردي لم يمنع بروز اراء قوية من داخل المعسكر، بل ربما لا تقل في تأثيرها عن هذه الاحزاب مجتمعة .
حيث تري جماعة تمرد و التى قادت ثورة المصريين في 30 يوينو 2013 على نظام حكم الاخوان، وتمكنت من جمع توقيعات تقترب من 22 مليون مصري، مطالبين برحيل الرئيس السابق محمد مرسي، يري قادتها أن " نظام الانتخابات الفردي هو الافضل خاصة في ظل ضعف الاحزاب السياسية في مصر وعدم وجود احزاب قادرة علي ملء الفراغ في الحياة السياسية وبالتالي فإن العمل بنظام القائمة سيمثل فرصة لعودة رجال الحزب الوطني والإخوان للحياة السياسية" (6).
ويخشي انصار النظام الفردي من اعتماد نظام القوائم الحزبية الذي سيتيح لانصار حزب الحرية و العدالة ( لتابع للاخوان) النفاذ الي البرلمان بنسبة قد تصل الي 25% ا بالاضافة الي رموز عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك و الذين كانوا عنصرا بارزا في إئتلاف 30 يونيو.
و تري وجهة النظر هذه أن " بقايا الأحزاب الدينية إذا ما سنحت لها الفرصة بنظام القوائم، ستحصل على نسبة لن تقل عن 25% ، و مصر على مدار عمرها الانتخابي لم ينجح لها انتخابات إلا بالنظام الفردي، حتى في الثلاث مرات التي كانت على أساس القائمة فشل مجلسها البرلماني، لن نخوض في تفاصيل ذلك، لان الأهم هو أن مصر تؤمن وتتعايش مع النظام الفردي "(7 ).
نذكر أنه منذ دستور 1923 عرفت مصر الانتخابات بالنظام الفردي، حتي عام 1984 عندما ادخلت لاول مرة في تاريخ البلاد الانتخابات بنظام القائمة النسبية الحزبية المغلقة، لكن المحكمة الدستورية العليا قضت ببطلان هذا النظام العام 1987 لعدم اعترافه بالمستقلين عن الاحزاب، فتقرر الاخذ بالنظام المختلط بين الفردي والقائمة لتعاود الدستورية العليا عام 1990 الابطال، فيعود النظام الانتخابي مجددا حتى ثورة يناير التى تقرر بعدها العودة لنظام المختلط ثلثى المقاعد للقوائم الحزبية والثلث للمقاعد الفردية و السماح للاحزاب بالمنافسة عليها مما تسبب في ابطال الدستورية العليا للنظام و الانتخابات التى جرت وقتها و ادخلت البلاد في ازمة سياسية عنيفة انتهت بالثورة الشعبية على نظام الاخوان .
البادي إذن من وجهات النظر المختلفة أن التيارات المسماة بالاسلامية هي الحاضر الغائب في المشهد الانتخابي بقوة، و أن الأراء المختلفة تتحدد قربا او ابتعادا عن نظامي الفردي او القوائم بالحديث عن القوي "الدينية " و امكانية تبني نظام يتيح للاحزاب السياسية تواجدا افضل و اقوي ، و ان كانت الاراء في هذا الصدد تنقسم مابين مؤيد و رافض في تحديد النظام الافضل .
الرهان الحقيقي هو على قدرة الاحزاب السياسية المدنية (68 حزبا ) علي تلبية احتياجات اى من النظامين الفردي او القائمة ، سواء من ناحية عدد المرشحين المطلوبين و مدي مايحوذونه من تاريخ في التعامل مع الناخبين بدائرتهم ، أو قدراتهم على التواصل مع الناخبين و اكتساب ثقتهم ، ثم القدرات المالية و التى باتت تمثل العنصر الابرز في الانتخابات خلال المراحل الماضية سواء في نهاية عهد الرئيس الاسبق مبارك او حتي ما بعد ثورة 25 يناير و الى الان .
و يتشكك البعض في قدرة الاحزاب على الفوز بالرهان من خلال نظام القوائم الحزبية لان الحياة الحزبية المصرية من وجهة نظر هؤلاء " نموذجا فريدا، فهى مجرد إخطارات حزبية على ورق، مجرد رخصة مباشرة الأنشطة الحزبية لكن على الورق، أتحدى من يستطيع أن يشكل قائمة انتخابية في ذلك التوقيت تغطى ثلاث محافظات فقط!! ، عندما واجهت ذات الأحزاب التي ترفض الفردي النظام بالقائمة لم تستطع أن تنافس أو تشكل قائمة ذات وزن نسبي، بل استعانت بالأقوياء من الوطني القديم " (8 )
و لعل ذلك مايفسر اتجاه العديدمن الاحزاب السياسية الي إجراء تحالفات انتخابية بينها لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة ، حيث يطرح قادة احزاب رؤية تقوم على صعوبة خوض الانتخابات كل حزب علي حدة لاسباب متعددة ، و كما قال السيد محمد العرابي رئيس حزب «المؤتمر» ان هناك مشاورات مبدئيه مع «المصريين الاحرار» للتحالف في الانتخابات، مشيراً الي ان احزاب جبهة الإنقاذ لن تخوض المعركه بقائمه موحده،( 9 )
الواقع المصري أذن يتحدث عن ضرورة إجراء تحالفات سياسية بين الاحزاب و الجماعات السياسية المدنية في محاولة لسد الفراغ الناجم عن تراجع تيارات الاسلام السياسي بعد ثورة يوينو ، و تشير التقديرات الاولية الى رصد قادة هذه الاحزاب لعمق إحتياجاتها لهذه التحالفات خصوصا إذا ما رغبت خوض الانتخابات في كل الدوائر .
من الصعوبة بمكان الحديث عن استقرار النظام الانتخابي علي تصور محدد وسط كل هذه التنازعات بين الاطراف المختلفة و فى مواجهة كتلة سياسية ثار الشعب عليها ، خصوصا و ان كل الاطراف تضع في اعتبارها عنصرين أساسيين مؤثرين للغاية في المشهد الانتخابي و نتائج المنافسات الانتخابية .
العنصر الاول ان العملية الانتخابية ستتم بعد أقرار تعديلات على الدستور القائم منذ عام 2012 ، و في الأغلب سيتبني الدستور الجديد النظام المختلط بين الرئاسي و البرلماني بصلاحيات متوازنة بين الاطراف الثلاثة الرئيس و البرلمان و الحكومة ، و هو ماسيقتضي تشكيل الحكومة من حزب الاكثرية البرلمانية ، الامر الذي سيدفع الى اعادة صياغة المشهد الانتخابي في البلاد .
جماعة " تمرد" التي تساند الانتخابات الفردية تطرح رؤية بديلة في حال تبني الدستور النظام السياسي المختلط، " كنا مع النظام الفردي لمنع عودة فلول الاخوان و الحزب الوطني، و لكن مع الاتجاه للنص على تشكيل الحكومة من حزب الاكثرية بالبرلمان لم يعد منطقيا تبني النظام الفردي، و الاتجاه الاقرب هو النظام المختلط ، ان تجري الانتخابات بالنظام الفردي ، مع إعتماد قائمة حزبية لدائرة واحدة على مستوي الجمهورية من 120 مقعدا"( 10 ).
إذن نحن أمام متغير سيفرض على الجميع تغيير توجهاته و اللجوء الى حلول وسط تحقق التوافق بين الانحيازات المتعارضة ، يمكن أن نوجزها في كون أن فكرة النظام الانتخابي المختلط مازالت تواجه أزمة حقيقية على خلفية حكمين قضائيين أبطلا الانتخابات في المرتين التى جرت بهما وفقا للنظام المختلط.
سيناريو عودة العائلات التقليدية:
رغم أزمة القوى المدنية تنظيميا وشتاتا تبدو فرص الإسلاميين في رأينا ضعيفة في الانتخابات المصرية القادمة في مصر، ويبدو سيناريو عودة العائلات التقليدية ونمط الانتخاب التقليدي هو الأكثر احتمالية في الصعود برأينا.. وذلك حيث النفوذ القبلي و العائلي في محافظات الصعيد و المحافظات الحدودية ذات الطبيعة الصحراوية، وحيث تأثير العلاقات الاجتماعية والعشائرية والاقتصادية مسار التصويت ومشاركاته أكثر من البرامج السياسية للأحزاب.
و اللافت ان جماعة الاخوان تمكنت في وقت قليل من وراثة نفوذ الحزب الوطني" المنحل" بين عائلات الصعيد في كل عمليات التصويت الخمسة التي شهدتها البلاد عقب ثورة 25 يناير و حتى ثورة 30 يونيو، و هو ما آشر الي قدرة الاخوان علي ملأ الفراغ بالصعيد بنسبة كبيرة للغاية .
وتبدو أسباب ذلك أن العائلات بالصعيد تمثل كتلا بشرية كبيرة ذات مصالح و نفوذا متشابكا و بالغ التعقيد مع اجهزة الدولة، و هي تفضل التواصل مع دوائر الحكم لتحقيق مصالح ابنائها و توفير القدر الاكبر من الامان و الاستقرار الاجتماعى الذي تركن اليه بحكم طبيعتها المستقرة في اماكن تواجدها
التاريخي، و يفسر ذلك انحيازها للحزب الوطني في عهد الرئيس الاسبق، ثم لحزب الحرية و العدالة في عهد الرئيس السابق، فهي ترتبط بالسلطة في أغلب الأحيان.
اما القبائل بالمحافظات الحدودية فقد كشفت عمليات التصويت الخمسة بين عامي 2001 و 2013 عن استحواذ المعسكر الديني علي اصواتها مع تفوق التيارات السلفية، و في الاغلب فإن التوجهات العامة تشير الى اقتراب التيارات السلفية من وراثة نفوذ جماعة الاخوان بتلك المناطق، و الاقتراب من المفاهيم التقليدية للتوازنات و العلاقات الانتخابية، خاصة مع إحجام عدد كبير من رموز هذه العائلات والمناطق عن المشاركة في انتخابات سابقة بعد تشوه علاقتهم بالسلطة في ظل النظام الأسبق!
الاغلب وفقا لكل الحالات الانتخابية السابقة ان العائلات ستكون صاحبة النفوذ الاكبر انتخابيا في محافظات الصعيد ، و ان العصبيات العائلية ستعود لتلعب دورا مؤثرا في نتائج الانتخابات ، خصوصا و أنها – العائلات - تميل للنظام الانتخابي الفردي الاكثر قدرة للتعبير عن البناء العائلي و مصالحه وإنه – الفردي - افضل الاساليب للتعبير عنها و التوافق على المصالح المتداخلة بين العائلات المختلفة من جهة و بينها و بين جهاز الدولة من جهة أخري .
إن استعادة جهاز الدولة المصري التقليدي لحالته الطبيعية، بعد محاولات جماعة الاخوان على مدار عام لاقصائه و الحلول بديلا عنه باعضاء الجماعة و انصارها، سيتيح للنظام العائلي بالصعيد سد الفراغ الناجم عن غياب جماعة الاخوان ، خصوصا و ان الاحزاب السياسية المدنية تعاني ضعفا اضحا بالصعيد ، فضلا عن ان الانتخابات الفردية تنهي سيطرة الاحزاب على المرشحين و تمنح هذه السيطرة للعائلات على ابنائها .
المخاوف القادمة بين المنحل والمحظورة:
تبدو المشكلة المصرية مع الانتخابات دوما في الابتعاد عن السؤال الجوهري، ماذا نريد من الانتخابات، فالمشهد الراهن يشير الى منح الاولوية في التفكير لافضل الوسائل المحققة لابعاد الاخوان و الاحزاب ذات الاتجاهات الدينية، والرموز المحسوبة على الحزب الوطني المنحل، في حين لم تتجه المناقشات للبحث عن الهدف من العملية الانتخابية الذي يحدد لدرجة كبيرة هيكل النتائج النهائية، ويرسم شكل البرلمان و صورة المشاركة في التشريع و الرقابة على الحكومة .
النقاش الجاري في المجتمع حتى الان لم يتجه الي البحث فيk هل المطلوب تضييق نطاق المشاركة في البرلمان.. أم توسيعها ؟ هل المطلوب الوصول الي نظام الحزبين الكبيرين.. أم نظام ائتلافات سياسية تمنع احتكار الحياة السياسية والانفراد بالقرار؟
فالإجابة عن هذه الاسئلة سيرسم صورة المشهد السياسي المنتظر، وطبيعة العلاقات والتوازنات السياسية في المجتمع، وستحدد الى درجة كبيرة ما ستكون عليه موازين القوى والأغلبية البرلمانية وطبيعة الحكومة وشكلها، ونوع العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقدرة كل طرف على إدارة شئونه والقيام بدوره المطلوب منه، وما إذا كان يستطيع ذلك من عدمه.
هناك نظم انتخابية تؤدي الى تركيز الأغلبية في يد الأحزاب القديمة الكبيرة ذات القدرات المالية، وهناك نظم اخرى تتيح للأحزاب الصغيرة ومتناهية الصغر التواجد في البرلمان، ولو بصورة
محددة لكنها تسمح في النهاية بتوسيع قنوات الحوار والمشاركة في المجتمع، وهناك نظم انتخابية تفرز علاقات ائتلافية اضطرارية بين الأحزاب، وتضع الحكومات تحت ضغط البرلمان.
القضية ماذا نريد للمشهد السياسي؟
على سبيل المثال كان النظام الانتخابي المعمول به في انتخابات 2011 بنهاية المرحلة الانتقالية الأولي وفي ظل التقسيم المبالغ فيه في تقسيم ومساحة الدوائر، لا يتيح الفوز إلا للأحزاب الكبيرة الغنية القديمة ذات الصلات التاريخية بالناخبين والقادرة على تغطية تلك المساحات الشاسعة بكوادرها وأنصارها.. لذا كان منطقيًا أن تسفر النتائج عن احتكار اتجاهين داخل معسكر واحد للأغلبية البرلمانية في المجلسين، وكان منطقيًا أن تتهاوى الأحزاب الحديثة والقوى الشبابية الفاقدة للقدرات المالية والتاريخية في التعامل مع الناخبين في نطاق جغرافي كبير.
وفي المقابل تبدو النتائج مختلفة إذا ما كانت إجاباتنا مرتبطة بتوسيع دائرة المشاركة والدفع بالأحزاب والقوى الشبابية للتواجد ولو من خلال تمثيل محدود، ففي هذه الحالة نحتاج الى نظام بالقوائم النسبية غير الحزبية يضع "العتبة الانتخابية" على مستوى الدائرة في أضيق حدود "نصيب المقعد مثلاً"، وهو ما سيتيح لتلك القوى التواجد والمشاركة ولعب دور في صياغة طبيعة المشهد السياسي المطلوب.
في إعتقادي أن كل أطراف العملية السياسية مطالبة بتحديد طبيعة العلاقات المستقبلية، وفي ضوء تحديد الهدف يبدأ البحث عن أنسب الوسائل التي تتيح تحقيق هذا الهدف، بغير ذلك ستظل الانتخابات المصرية تدور في دوائر مغلقة وتتعامل مع مخرجات واقع مفروض يثير الأزمات أكثر مما يتيح الانطلاق.
المشهد المصري يشير الى فراغ سياسي ناجم عن غياب جماعة الاخوان لتراجع في شعبيتها بعد ثورة 30 يونيو، و هو الفراغ الذي يبحث عن قوي بديلة تستطيع شغله، و ان كانت جماعة الاخوان قد استطاعت سد فراغ غياب الحزب الوطنى الحاكم عقب ثورة 25 يناير فالسؤال الان هو من سيسد فراغ غياب او تراجع نفوذ الاخوان .
و حقيقة الأمر أن الأحزاب تعاني ازمات على مستويات عدة، و هي في الاغلب غير مؤهلة او مرشحة لسد الفراغ السياسي، إلا إذا أقدمت على تحالفات و ائتلافات سياسية بين الاحزاب و مع قوي مجتمعية، بما يمكنها من ملء مساحة ما من الفراغ السياسي و ليس كله، و هي و ان كانت تخشي من الانتخابات الفردية فان قدرتها على تلبية متطلبات القوائم تعاني مشكلات حقيقية ايضا .
ان العصبيات العائلية و القبلية سيكون لها دور أكثر تأثيرا في الانتخابات المقبلة في جنوب مصر و المحافظات الحدودية ( حوالي نصف محافظات مصر) سواء جرت الانتخابات بالنظام الفردي او المختلط ، و لن تتمكن اغلب الاحزاب من تلبية متطلبات الانتخابات الا بالتحالف مع العائلات و القبائل، أو جذب رموز منها لقوائم ترشيحاتها .
إن ثورة 30 يوينو لم تجهز على قوي الاسلام السياسي، فمازال هناك تواجد شعبي للعديد من هذه فضائل الإسلاميين، خصوصا تلك التى نفضت يدها من تجربة حكم الاخوان التي اسقطها المصريين، و الحديث هنا عن القوي السلفية و تحديدا الدعوة السلفية و حزب النور، و هو ما سيتيح لهذه القوي من الاستحواذ على نسبة من مقاعد البرلمان قد لا تقل عن 15 % بالاضافة الى ما سيستحوذ عليه انصار جماعة الاخوان حال ترشحهم على قوائم أخرى، بعد حل جماعتهم، خاصة مع نفي حزب النور السلفي إمكانية ترشيحه عناصر منتمية للإخوان على قوائمه.
التنوع السياسي في مصر يقتضي تبني نظام انتخابي يتيح اوسع تمثيل ممكن للتركيبة الاجتماعية و العمرية للمصريين، ليتمكن الشباب من التواجد بصورة ملائمة في البرلمان و المشاركة في القرار عبر التشريع و الرقابة، و تقوية الوضع الحزبي، و اتاحة المجال أيضا للبنى التقليدية للعائلات و القبائل.
يتطلب ذلك الابقاء على الدوائر التقليدية الصغيرة (222 دائرة ) لاختيار مرشحين اثنين من كل دائرة، أحدهما على الأقل من العمال و الفلاحين ، مع نظام القائمة الحزبية النسبية بدائرة واحدة على مستوي الوطن لعدد لايجاوز 100 مرشحا، مع منع الاحزاب من المنافسة الرسمية مع المرشحين علي المقاعد الفردية ، لتلافي الطعن بعدم الدستورية، و هو ماسيحقق بيئة سياسية تساعد الشباب و الhحزاب الجديدة على الوصول للبرلمان، و يوفر المناخ الملائم للعائلات والقبائل لتقديم ابنائها، ويمنح الاحزاب فرصة لتسوية اوضاعها الجماهيرية .
تصغير النطاق الجغرافي للدوائر بالعودة الى التقسيمة السابقة على انتخابات 2011، والقدرة على حث الناخبين للتوجه لصناديق الاقتراع، و الحضور العالي المتوقع بعد 30 يوينو من قطاعات عديدة كانت تحجم مسبقا عن المشاركة ، كلها عناصر معادلة سياسية يعتقد انها ستسهم في تعديل توازنات القوي و التعبير عنها بصورة ملائمة .
....................................................
في غضون أسابيع قليلة تقبل مصر على سادس عملية انتخابيه تجريها خلال عامين و نصف في أجواء اقل ما يمكن توصيفها بأنها أجواء عاصفة ،و وسط تقاطعات صراعات سياسية حادة تشعبت حتى ضربت أنصار جبهة 30 يونيو ذاتهم .
و تبدو حدة الاجواء السياسية في تصريحات قادة أحزاب مهمة في مصر و التي تعكس مدي تشدد الخطاب السياسي لاطراف المنافسة السياسية في ما يتعلق بالنظام الانتخابي الذي ستجري في ظله الانتخابات البرلمانية المنتظرة .
"يجب أن يعلم رئيس الجمهورية وطاقم مساعديه وقيادة الجيش والوزارة أن مسيرة الديمقراطية سوف تتوقف، وسوف تقوم ثورة جديدة لا محالة، تعم فيها الفوضى لو أجريت الانتخابات بالمقاعد الفردية فقط "
هكذا حدد د. محمد ابو الغار رئيس الحزب المصري الديمقراطي موقفه من الانتخابات في تصريحات نارية لكنها لم تعكس رفضا لقبول الحلول الوسط . (1)
أولا: النظام الانتخابي بين الفردي والقائمة:
يبدو المشهد السياسي الانتخابي المصري غامضا جراء تغيرات و تبدلات يومية و احيانا خلال ساعات في مواقف الاحزاب و الكتل السياسية من طبيعة النظام الانتخابي المطلوب ، و ذلك على خلفية تجارب سابقة مثيرة للمخاوف على المستقبل، تسببت فيها الانتخابات الفردية في إقصاء الاحزاب السياسية الي المراكز الاخير في السباق الانتخابي .
تجارب الاحزاب المدنية مع الانتخابات الفردية سلبية، فمن بين 166 مقعدا في برلمان 2011 فاز التحالف الديمقراطى الذي قادته جماعة الاخوان ب 101 مقعدا ، و حزب النور السلفي ب 30 مقعدا ، في حين فازت الاحزاب المدنية ب 8 مقاعد ، و المستقلين – اغلبهم محسوب على رموز عصر مبارك – ب 27 مقعدا . ( 2)
و لعل ذلك ما يفسر اصرار اغلب الاحزاب على اجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية، لتمتلك فرصة في الفوز بعدد وفير من مقاعد البرلمان يتيح لها ان تسد من خلاله الفراغ السياسي الناجم عن غياب او تراجع نفوذ جماعتي الاخوان و السلفيين في اعقاب ثورة 30 يونيو ضد الجماعة، ولكن يبدو أن الأحزاب السياسية المصرية الحالية، تواجه مشكلة حقيقية في القدرة على سد الفراغ السياسي الناجم عن ثورتي الشعب المصري خلال العامين المنصرمين .
ففي عام 2011 و بعد حل الحزب الوطنى الديمقراطي الحاكم في عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك بحكم قضائي صدر بعد ثورة يناير فشلت الاحزاب السياسية في سد الفراغ الناجم عن الغياب المفاجيء لحزب تواصل في الحكم لما يزيد عن 32 عاما، و هو الفراغ الذي اكتسحته جماعة الاخوان في كل الانتخابات لتي جرت بعد الثورة و استحوذت في الانتخابات البرلمانية الاخيرة علي نحو 45 % من مقاعد البرلمان 2011 ، فضلا عن استحواذ التيار السلفي علي 26% من المقاعد . ( 3 )
التحدي الحقيقي الآن للاحزاب المصرية هو في قدرتها على سد الفراغ الناجم عن التراجع الحاد في نفوذ جماعة الاخوان بعد الثورة الشعبية على حكم الجماعة ، و هو تحدي ينقسم لمستويين رئيسين:
أولهما: يتعلق بجذب الناخبين للمشاركة في العملية التصويتية .
ثانيهما: قدرة الاستحواذ على اصوات الناخبين بدلا من انتقالها للاحزاب ذات التعبيرات السلفية .
من اللافت في المشهد المصري وجود 78 حزبا سياسيا ، منهم 24 حزبا تأسست قبل ثورة 25 يناير، و الباقي تم الاعلان عنه و تأسيسه عقب ذلك التاريخ، و يمثل عدد الاحزاب في حد ذاته تحديا لقادته ، إذ أن الكتلة المسماة بالاسلامية و عددها(10 ) أحزاب تمكنت من الاستحواذ على نحو 70 % من اخر انتخابات برلمانية شهدتها البلاد عام 2011 ( 4 )، و هو ما يشير في احد جوانبه لمدي ضعف القدرات الحزبية السياسية على إجتذاب أصوات الناخبين .
لذلك تراهن الاحزاب المدنية علي المتغيرات الناجمة عن خروج عشرات الملايين من المصريين في ثورة شعبية غير مسبوقة في تاريخ البلاد ضد حكم الاخوان، و ما لذلك من تأثيرات سلبية على بقية القوي المسماة بالاسلامية و نفوذها الشعبي ، و هو الرهان الذي يفسر اسباب الضغوط الشديدة لاجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية.
و وفقا لدراسة اعدها حزب الدستور فإن أن "أحد أهم أسباب ثورتي يناير ويونيو هو عجز النظام الانتخابي عن إفراز برلمان وحكومة تعبر عن المصريين بصورة حقيقية ، وتمثل مختلف الاتجاهات السياسية، حيث تؤدي الانتخابات بنظام الفردي، إلي إهدار معظم أصوات الناخبين، وتضييع إرادة الشعب وابتعاد البرلمان عن تمثيل التركيبة الحقيقية للشعب المصرى، بما يؤدي لتهميش سياسي لأغلبية المجتمع، وهو ما يهدد بزعزعة الاستقرار ".
و تواصل نصوص الدراسة أن " حصول أعلي المرشحين من الحزب "أ" علي 16% من أصوات الناخبين وحصل الذي يليه من الحزب "ب" علي 14% تكون الإعادة بينهما. وتهدر 70% من أصوات الناخبين.وإذا تكرر هذا في دوائر أخري بين مرشحي هذين الحزبين، يمكن أن يحصل الحزبان علي معظم مقاعد البرلمان، رغم أن شعبيتهما مجتمعين قد لا تتعدي 30%"( 5)، لكن هذا الانحياز من اغلب الاحزاب السياسية لرفض إجراء الانتخابات بالنظام الفردي لم يمنع بروز اراء قوية من داخل المعسكر، بل ربما لا تقل في تأثيرها عن هذه الاحزاب مجتمعة .
حيث تري جماعة تمرد و التى قادت ثورة المصريين في 30 يوينو 2013 على نظام حكم الاخوان، وتمكنت من جمع توقيعات تقترب من 22 مليون مصري، مطالبين برحيل الرئيس السابق محمد مرسي، يري قادتها أن " نظام الانتخابات الفردي هو الافضل خاصة في ظل ضعف الاحزاب السياسية في مصر وعدم وجود احزاب قادرة علي ملء الفراغ في الحياة السياسية وبالتالي فإن العمل بنظام القائمة سيمثل فرصة لعودة رجال الحزب الوطني والإخوان للحياة السياسية" (6).
ويخشي انصار النظام الفردي من اعتماد نظام القوائم الحزبية الذي سيتيح لانصار حزب الحرية و العدالة ( لتابع للاخوان) النفاذ الي البرلمان بنسبة قد تصل الي 25% ا بالاضافة الي رموز عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك و الذين كانوا عنصرا بارزا في إئتلاف 30 يونيو.
و تري وجهة النظر هذه أن " بقايا الأحزاب الدينية إذا ما سنحت لها الفرصة بنظام القوائم، ستحصل على نسبة لن تقل عن 25% ، و مصر على مدار عمرها الانتخابي لم ينجح لها انتخابات إلا بالنظام الفردي، حتى في الثلاث مرات التي كانت على أساس القائمة فشل مجلسها البرلماني، لن نخوض في تفاصيل ذلك، لان الأهم هو أن مصر تؤمن وتتعايش مع النظام الفردي "(7 ).
نذكر أنه منذ دستور 1923 عرفت مصر الانتخابات بالنظام الفردي، حتي عام 1984 عندما ادخلت لاول مرة في تاريخ البلاد الانتخابات بنظام القائمة النسبية الحزبية المغلقة، لكن المحكمة الدستورية العليا قضت ببطلان هذا النظام العام 1987 لعدم اعترافه بالمستقلين عن الاحزاب، فتقرر الاخذ بالنظام المختلط بين الفردي والقائمة لتعاود الدستورية العليا عام 1990 الابطال، فيعود النظام الانتخابي مجددا حتى ثورة يناير التى تقرر بعدها العودة لنظام المختلط ثلثى المقاعد للقوائم الحزبية والثلث للمقاعد الفردية و السماح للاحزاب بالمنافسة عليها مما تسبب في ابطال الدستورية العليا للنظام و الانتخابات التى جرت وقتها و ادخلت البلاد في ازمة سياسية عنيفة انتهت بالثورة الشعبية على نظام الاخوان .
البادي إذن من وجهات النظر المختلفة أن التيارات المسماة بالاسلامية هي الحاضر الغائب في المشهد الانتخابي بقوة، و أن الأراء المختلفة تتحدد قربا او ابتعادا عن نظامي الفردي او القوائم بالحديث عن القوي "الدينية " و امكانية تبني نظام يتيح للاحزاب السياسية تواجدا افضل و اقوي ، و ان كانت الاراء في هذا الصدد تنقسم مابين مؤيد و رافض في تحديد النظام الافضل .
الرهان الحقيقي هو على قدرة الاحزاب السياسية المدنية (68 حزبا ) علي تلبية احتياجات اى من النظامين الفردي او القائمة ، سواء من ناحية عدد المرشحين المطلوبين و مدي مايحوذونه من تاريخ في التعامل مع الناخبين بدائرتهم ، أو قدراتهم على التواصل مع الناخبين و اكتساب ثقتهم ، ثم القدرات المالية و التى باتت تمثل العنصر الابرز في الانتخابات خلال المراحل الماضية سواء في نهاية عهد الرئيس الاسبق مبارك او حتي ما بعد ثورة 25 يناير و الى الان .
و يتشكك البعض في قدرة الاحزاب على الفوز بالرهان من خلال نظام القوائم الحزبية لان الحياة الحزبية المصرية من وجهة نظر هؤلاء " نموذجا فريدا، فهى مجرد إخطارات حزبية على ورق، مجرد رخصة مباشرة الأنشطة الحزبية لكن على الورق، أتحدى من يستطيع أن يشكل قائمة انتخابية في ذلك التوقيت تغطى ثلاث محافظات فقط!! ، عندما واجهت ذات الأحزاب التي ترفض الفردي النظام بالقائمة لم تستطع أن تنافس أو تشكل قائمة ذات وزن نسبي، بل استعانت بالأقوياء من الوطني القديم " (8 )
و لعل ذلك مايفسر اتجاه العديدمن الاحزاب السياسية الي إجراء تحالفات انتخابية بينها لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة ، حيث يطرح قادة احزاب رؤية تقوم على صعوبة خوض الانتخابات كل حزب علي حدة لاسباب متعددة ، و كما قال السيد محمد العرابي رئيس حزب «المؤتمر» ان هناك مشاورات مبدئيه مع «المصريين الاحرار» للتحالف في الانتخابات، مشيراً الي ان احزاب جبهة الإنقاذ لن تخوض المعركه بقائمه موحده،( 9 )
الواقع المصري أذن يتحدث عن ضرورة إجراء تحالفات سياسية بين الاحزاب و الجماعات السياسية المدنية في محاولة لسد الفراغ الناجم عن تراجع تيارات الاسلام السياسي بعد ثورة يوينو ، و تشير التقديرات الاولية الى رصد قادة هذه الاحزاب لعمق إحتياجاتها لهذه التحالفات خصوصا إذا ما رغبت خوض الانتخابات في كل الدوائر .
من الصعوبة بمكان الحديث عن استقرار النظام الانتخابي علي تصور محدد وسط كل هذه التنازعات بين الاطراف المختلفة و فى مواجهة كتلة سياسية ثار الشعب عليها ، خصوصا و ان كل الاطراف تضع في اعتبارها عنصرين أساسيين مؤثرين للغاية في المشهد الانتخابي و نتائج المنافسات الانتخابية .
العنصر الاول ان العملية الانتخابية ستتم بعد أقرار تعديلات على الدستور القائم منذ عام 2012 ، و في الأغلب سيتبني الدستور الجديد النظام المختلط بين الرئاسي و البرلماني بصلاحيات متوازنة بين الاطراف الثلاثة الرئيس و البرلمان و الحكومة ، و هو ماسيقتضي تشكيل الحكومة من حزب الاكثرية البرلمانية ، الامر الذي سيدفع الى اعادة صياغة المشهد الانتخابي في البلاد .
جماعة " تمرد" التي تساند الانتخابات الفردية تطرح رؤية بديلة في حال تبني الدستور النظام السياسي المختلط، " كنا مع النظام الفردي لمنع عودة فلول الاخوان و الحزب الوطني، و لكن مع الاتجاه للنص على تشكيل الحكومة من حزب الاكثرية بالبرلمان لم يعد منطقيا تبني النظام الفردي، و الاتجاه الاقرب هو النظام المختلط ، ان تجري الانتخابات بالنظام الفردي ، مع إعتماد قائمة حزبية لدائرة واحدة على مستوي الجمهورية من 120 مقعدا"( 10 ).
إذن نحن أمام متغير سيفرض على الجميع تغيير توجهاته و اللجوء الى حلول وسط تحقق التوافق بين الانحيازات المتعارضة ، يمكن أن نوجزها في كون أن فكرة النظام الانتخابي المختلط مازالت تواجه أزمة حقيقية على خلفية حكمين قضائيين أبطلا الانتخابات في المرتين التى جرت بهما وفقا للنظام المختلط.
سيناريو عودة العائلات التقليدية:
رغم أزمة القوى المدنية تنظيميا وشتاتا تبدو فرص الإسلاميين في رأينا ضعيفة في الانتخابات المصرية القادمة في مصر، ويبدو سيناريو عودة العائلات التقليدية ونمط الانتخاب التقليدي هو الأكثر احتمالية في الصعود برأينا.. وذلك حيث النفوذ القبلي و العائلي في محافظات الصعيد و المحافظات الحدودية ذات الطبيعة الصحراوية، وحيث تأثير العلاقات الاجتماعية والعشائرية والاقتصادية مسار التصويت ومشاركاته أكثر من البرامج السياسية للأحزاب.
و اللافت ان جماعة الاخوان تمكنت في وقت قليل من وراثة نفوذ الحزب الوطني" المنحل" بين عائلات الصعيد في كل عمليات التصويت الخمسة التي شهدتها البلاد عقب ثورة 25 يناير و حتى ثورة 30 يونيو، و هو ما آشر الي قدرة الاخوان علي ملأ الفراغ بالصعيد بنسبة كبيرة للغاية .
وتبدو أسباب ذلك أن العائلات بالصعيد تمثل كتلا بشرية كبيرة ذات مصالح و نفوذا متشابكا و بالغ التعقيد مع اجهزة الدولة، و هي تفضل التواصل مع دوائر الحكم لتحقيق مصالح ابنائها و توفير القدر الاكبر من الامان و الاستقرار الاجتماعى الذي تركن اليه بحكم طبيعتها المستقرة في اماكن تواجدها
التاريخي، و يفسر ذلك انحيازها للحزب الوطني في عهد الرئيس الاسبق، ثم لحزب الحرية و العدالة في عهد الرئيس السابق، فهي ترتبط بالسلطة في أغلب الأحيان.
اما القبائل بالمحافظات الحدودية فقد كشفت عمليات التصويت الخمسة بين عامي 2001 و 2013 عن استحواذ المعسكر الديني علي اصواتها مع تفوق التيارات السلفية، و في الاغلب فإن التوجهات العامة تشير الى اقتراب التيارات السلفية من وراثة نفوذ جماعة الاخوان بتلك المناطق، و الاقتراب من المفاهيم التقليدية للتوازنات و العلاقات الانتخابية، خاصة مع إحجام عدد كبير من رموز هذه العائلات والمناطق عن المشاركة في انتخابات سابقة بعد تشوه علاقتهم بالسلطة في ظل النظام الأسبق!
الاغلب وفقا لكل الحالات الانتخابية السابقة ان العائلات ستكون صاحبة النفوذ الاكبر انتخابيا في محافظات الصعيد ، و ان العصبيات العائلية ستعود لتلعب دورا مؤثرا في نتائج الانتخابات ، خصوصا و أنها – العائلات - تميل للنظام الانتخابي الفردي الاكثر قدرة للتعبير عن البناء العائلي و مصالحه وإنه – الفردي - افضل الاساليب للتعبير عنها و التوافق على المصالح المتداخلة بين العائلات المختلفة من جهة و بينها و بين جهاز الدولة من جهة أخري .
إن استعادة جهاز الدولة المصري التقليدي لحالته الطبيعية، بعد محاولات جماعة الاخوان على مدار عام لاقصائه و الحلول بديلا عنه باعضاء الجماعة و انصارها، سيتيح للنظام العائلي بالصعيد سد الفراغ الناجم عن غياب جماعة الاخوان ، خصوصا و ان الاحزاب السياسية المدنية تعاني ضعفا اضحا بالصعيد ، فضلا عن ان الانتخابات الفردية تنهي سيطرة الاحزاب على المرشحين و تمنح هذه السيطرة للعائلات على ابنائها .
المخاوف القادمة بين المنحل والمحظورة:
تبدو المشكلة المصرية مع الانتخابات دوما في الابتعاد عن السؤال الجوهري، ماذا نريد من الانتخابات، فالمشهد الراهن يشير الى منح الاولوية في التفكير لافضل الوسائل المحققة لابعاد الاخوان و الاحزاب ذات الاتجاهات الدينية، والرموز المحسوبة على الحزب الوطني المنحل، في حين لم تتجه المناقشات للبحث عن الهدف من العملية الانتخابية الذي يحدد لدرجة كبيرة هيكل النتائج النهائية، ويرسم شكل البرلمان و صورة المشاركة في التشريع و الرقابة على الحكومة .
النقاش الجاري في المجتمع حتى الان لم يتجه الي البحث فيk هل المطلوب تضييق نطاق المشاركة في البرلمان.. أم توسيعها ؟ هل المطلوب الوصول الي نظام الحزبين الكبيرين.. أم نظام ائتلافات سياسية تمنع احتكار الحياة السياسية والانفراد بالقرار؟
فالإجابة عن هذه الاسئلة سيرسم صورة المشهد السياسي المنتظر، وطبيعة العلاقات والتوازنات السياسية في المجتمع، وستحدد الى درجة كبيرة ما ستكون عليه موازين القوى والأغلبية البرلمانية وطبيعة الحكومة وشكلها، ونوع العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقدرة كل طرف على إدارة شئونه والقيام بدوره المطلوب منه، وما إذا كان يستطيع ذلك من عدمه.
هناك نظم انتخابية تؤدي الى تركيز الأغلبية في يد الأحزاب القديمة الكبيرة ذات القدرات المالية، وهناك نظم اخرى تتيح للأحزاب الصغيرة ومتناهية الصغر التواجد في البرلمان، ولو بصورة
محددة لكنها تسمح في النهاية بتوسيع قنوات الحوار والمشاركة في المجتمع، وهناك نظم انتخابية تفرز علاقات ائتلافية اضطرارية بين الأحزاب، وتضع الحكومات تحت ضغط البرلمان.
القضية ماذا نريد للمشهد السياسي؟
على سبيل المثال كان النظام الانتخابي المعمول به في انتخابات 2011 بنهاية المرحلة الانتقالية الأولي وفي ظل التقسيم المبالغ فيه في تقسيم ومساحة الدوائر، لا يتيح الفوز إلا للأحزاب الكبيرة الغنية القديمة ذات الصلات التاريخية بالناخبين والقادرة على تغطية تلك المساحات الشاسعة بكوادرها وأنصارها.. لذا كان منطقيًا أن تسفر النتائج عن احتكار اتجاهين داخل معسكر واحد للأغلبية البرلمانية في المجلسين، وكان منطقيًا أن تتهاوى الأحزاب الحديثة والقوى الشبابية الفاقدة للقدرات المالية والتاريخية في التعامل مع الناخبين في نطاق جغرافي كبير.
وفي المقابل تبدو النتائج مختلفة إذا ما كانت إجاباتنا مرتبطة بتوسيع دائرة المشاركة والدفع بالأحزاب والقوى الشبابية للتواجد ولو من خلال تمثيل محدود، ففي هذه الحالة نحتاج الى نظام بالقوائم النسبية غير الحزبية يضع "العتبة الانتخابية" على مستوى الدائرة في أضيق حدود "نصيب المقعد مثلاً"، وهو ما سيتيح لتلك القوى التواجد والمشاركة ولعب دور في صياغة طبيعة المشهد السياسي المطلوب.
في إعتقادي أن كل أطراف العملية السياسية مطالبة بتحديد طبيعة العلاقات المستقبلية، وفي ضوء تحديد الهدف يبدأ البحث عن أنسب الوسائل التي تتيح تحقيق هذا الهدف، بغير ذلك ستظل الانتخابات المصرية تدور في دوائر مغلقة وتتعامل مع مخرجات واقع مفروض يثير الأزمات أكثر مما يتيح الانطلاق.
المشهد المصري يشير الى فراغ سياسي ناجم عن غياب جماعة الاخوان لتراجع في شعبيتها بعد ثورة 30 يونيو، و هو الفراغ الذي يبحث عن قوي بديلة تستطيع شغله، و ان كانت جماعة الاخوان قد استطاعت سد فراغ غياب الحزب الوطنى الحاكم عقب ثورة 25 يناير فالسؤال الان هو من سيسد فراغ غياب او تراجع نفوذ الاخوان .
و حقيقة الأمر أن الأحزاب تعاني ازمات على مستويات عدة، و هي في الاغلب غير مؤهلة او مرشحة لسد الفراغ السياسي، إلا إذا أقدمت على تحالفات و ائتلافات سياسية بين الاحزاب و مع قوي مجتمعية، بما يمكنها من ملء مساحة ما من الفراغ السياسي و ليس كله، و هي و ان كانت تخشي من الانتخابات الفردية فان قدرتها على تلبية متطلبات القوائم تعاني مشكلات حقيقية ايضا .
ان العصبيات العائلية و القبلية سيكون لها دور أكثر تأثيرا في الانتخابات المقبلة في جنوب مصر و المحافظات الحدودية ( حوالي نصف محافظات مصر) سواء جرت الانتخابات بالنظام الفردي او المختلط ، و لن تتمكن اغلب الاحزاب من تلبية متطلبات الانتخابات الا بالتحالف مع العائلات و القبائل، أو جذب رموز منها لقوائم ترشيحاتها .
إن ثورة 30 يوينو لم تجهز على قوي الاسلام السياسي، فمازال هناك تواجد شعبي للعديد من هذه فضائل الإسلاميين، خصوصا تلك التى نفضت يدها من تجربة حكم الاخوان التي اسقطها المصريين، و الحديث هنا عن القوي السلفية و تحديدا الدعوة السلفية و حزب النور، و هو ما سيتيح لهذه القوي من الاستحواذ على نسبة من مقاعد البرلمان قد لا تقل عن 15 % بالاضافة الى ما سيستحوذ عليه انصار جماعة الاخوان حال ترشحهم على قوائم أخرى، بعد حل جماعتهم، خاصة مع نفي حزب النور السلفي إمكانية ترشيحه عناصر منتمية للإخوان على قوائمه.
التنوع السياسي في مصر يقتضي تبني نظام انتخابي يتيح اوسع تمثيل ممكن للتركيبة الاجتماعية و العمرية للمصريين، ليتمكن الشباب من التواجد بصورة ملائمة في البرلمان و المشاركة في القرار عبر التشريع و الرقابة، و تقوية الوضع الحزبي، و اتاحة المجال أيضا للبنى التقليدية للعائلات و القبائل.
يتطلب ذلك الابقاء على الدوائر التقليدية الصغيرة (222 دائرة ) لاختيار مرشحين اثنين من كل دائرة، أحدهما على الأقل من العمال و الفلاحين ، مع نظام القائمة الحزبية النسبية بدائرة واحدة على مستوي الوطن لعدد لايجاوز 100 مرشحا، مع منع الاحزاب من المنافسة الرسمية مع المرشحين علي المقاعد الفردية ، لتلافي الطعن بعدم الدستورية، و هو ماسيحقق بيئة سياسية تساعد الشباب و الhحزاب الجديدة على الوصول للبرلمان، و يوفر المناخ الملائم للعائلات والقبائل لتقديم ابنائها، ويمنح الاحزاب فرصة لتسوية اوضاعها الجماهيرية .
تصغير النطاق الجغرافي للدوائر بالعودة الى التقسيمة السابقة على انتخابات 2011، والقدرة على حث الناخبين للتوجه لصناديق الاقتراع، و الحضور العالي المتوقع بعد 30 يوينو من قطاعات عديدة كانت تحجم مسبقا عن المشاركة ، كلها عناصر معادلة سياسية يعتقد انها ستسهم في تعديل توازنات القوي و التعبير عنها بصورة ملائمة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اشكر الساده الاعضاء على تعليقاتكم ومقتراحتكم ولكم كل التقدير والاحترام...تحياتى محمد محسن
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.